حديث الدين النصيحة
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.
أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان: ( باب: بيان أن الدين النصيحة ) رقم 55
النصيحة
إخلاص النية من الغشّ للمنصوح له.ويعبر عنها ابن حجر العسقلاني قائلا:" والمعنى أنه يَلِمُّ شَعْثَ أخيه بالنُّصح كمَا تَلِمُّ المِنْصَحةُ، ومنه التَّوبة النَّصوح، كأنَّ الذَّنْبَ يُمَزِّقُ الدِّين والتَّوبة تخِيطُهُ " .
الدين النصيحة: يُحتمل أن يُحمل على المبالغة، أي: معظم الدين النصيحة، كما قيل في حديث " الحج عرفة"، ويُحتمل أن يُحمَل على ظاهره لأن كل عمل لم يُرِدْ به عامله الإخلاص فليس من الدين.
وقال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناه حيازة الحظ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.

النصيحة لله: إخلاص الإيمان به وتوحيده وإخلاص العبادة له.
__________
النصيحة للكتاب: العمل بما فيه والدفاع عنه ونشر مبادئه.
النصيحة للرّسول: بطاعته وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر.
النصيحة للأئمة: أي الحكام بطاعتهم وإرشادهم للحكم بما أنزل الله، أو هم العلماء بإجلالهم وحسن الظن بهم.
لعامة المسلمين: وهم ما عدا الأئمة، وذلك بإرشادهم لما يُصلحهم.
وجوب الامتثال لأوامر الله والرسول صلى الله عليه وسلم ومحبتهما، ويتجلى ذلك في العمل بالكتاب والسنة، والسمع والطاعة للإمام في الأمور الشرعية، وتحقيق التناصح بين عامة المسلمين بالإخلاص وحب الخير لهم.
هذا الحديث عظيم الشأن ومن جوامع كلم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعليه مدار الإسلام، فلو عمل أفراد المسلمين وجماعتهم بما تضمنه من معاني النصيحة لنالوا سعادة الدنيا والآخرة ولعاشوا إخوة متحابين تجمعهم عقيدة واحدة وراية واحدة ومنهج واحد في حياتهم.

قال الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن عظيم، وعن أبي داود أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه.وذكر محمد بن أسلم الطوسي أنه أحد أرباع الدين.
وقال النووي: بل هو وحده مُحصِّل لغرض الدين كلِّه.
النصيحة لله:
وذلك بالإيمان به سبحانه وتعالى والاعتقاد الجازم بأنه ربُّ كلّ شيء ومليكه، وأنَّه الخالق وحده، المُدَبِّر للكون كلِّه، وأنه هو الذي يسنحق العبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبود سواه، فهو باطل وعبادته باطلة، قال تعالى:" ذلك بأن الله هو الحقُّ وأنَّ ما تَدْعونَ من دُونه هو الباطل وأنَّ الله هو العليُّ الكبير" الحج 60، وأنه سبحانه وتعالى مُتَّصفٌ بصفات الكمال ونعوت الجلال، منزَّه عن كلّ نقص وعيب.
النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه"
النصيحة للرّسول:
النصيحة للرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته ونفي التهمة عنها واستثارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أوتعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك".
ومن النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤمن العبد بأنه -عليه الصلاة والسلام- هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن كل دعوة للرسالة بعده -عليه الصلاة والسلام- كذب وزور وباطل وطغيان، وأنه يُحَب -عليه الصلاة والسلام- لأمر الله جل وعلا بذلك، فتُقَدَّمَ مَحَابُّه على مَحَابّ العبد.
__________