الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه محمد بن عبد الله وبعد:
لقد عرفنا الله تعالى بعض أصناف نعيم الجنة لنتشوق إليها ونتهيأ لدخولها بالإيمان والعمل الصالح وإعمار الحياة بما يرضيه سبحانه وتعالى .
فهدف الحياة الدنيا عبادة الله بأن نجعل صلاتنا ونسكنا ومحيانا ومماتنا لله رب العالمين أما هدف الآخرة فتكريم هؤلاء الذين لم تشغلهم الحياة عن هذه الأهداف ولم يغفلوا عن التسارع إلى مغفرة الله وجنات النعيم
والإنسان عندما يرى آثار إفراطه وتفريطه يوم العرض للحساب يقول( يا ليتنى قدمت لحياتى ) ( سورة الفجر الآية : 24)
فمهما عمر الإنسان فى هذه الأرض فسوف يلقى الله – عز وجل –للسؤال والجزاء قال تعالى : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) ( سورة آل عمران آية (30).
فهناك من الناس من تحترق طاقاتهم وقدراتهم فى الدنيا ولا يجدوا لهم نصيبا فى الآخرة لأنهم فقدوا الإخلاص وأصلحوا دنياهم وأفسدوا آخرتهم بفعل ما يغضب الله عز وجل


( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين )
إن العمل للآخرة لا يعنى إهمال الحياة فقد أنعم الله عزوجل على الإنسان ليشكره على نعمه فلا ينسى نصيبه من الدنيا
قال تعالى : ( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) ( سورة الأعراف : الآية : 32).
إن أقواما ملتقاهم الجنة ينبغى أن لا يغفلوا عن الأسباب التى توصلهم لهذا النعيم الذى وعدهم الله به وأن يغتنموا الفرص والأوقات لإعمار دار القرار التى هى دار الخلد والبقاء .
إن العمل للآخرة لا يعنى إهمال الحياة أو الانعزال عنها فالله عز وجل قد منحنا الحياة بدون عبثية أو فوضى ولكنه أعطانا إياها لنعمرها بالعمل والتنافس الحضارى فنرجع إليه بأعمالنا فيحاسبنا عليها بخيرها وشرها وحلوها ومرها
فرسالة المسلم الحياة إعمارها لكسب العيش وقيام المصالح وسد الحاجات الروحية والمادية
(قال كم لبثتم في الارض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما او بعض يوم، فاسأل العادين، قال إن لبثتم الا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون، أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لاترجعون( سورة المؤمنون الآيات 112-115).
فمن أراد أن يثقل موازينه فليغتنم الأوقات وليقم بالمسؤوليات التى تقع على عاتقه ويملأ حياته بالنافع المفيد علما وعملاليسعد فى الدارين
قال تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي الى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي) ( سورة الفجر الآيات 27-30).
لقد عظم الإسلام السعى إلى الدار الآخرة ورغب فى نعيمها وحذر من الاغترار بالدنيا الزائلة وعدم الاطمئنان إليها
قال ابن عمر: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: "كن في الدنيا كأنك غريبأو عابر سبيل" كن في الدنيا: هذا إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم يبين لك الحالالتي ينبغي أن تكون عليها في الدنيا: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)
وفى هذا توجيه للإنسان كى يشتغل بما فيه خلوده ونعيمه الأكبر وأن يسلك الطريق الصحيح فى الحياة وهو إعمارها بالطاعة وأن لا يركن إلى الدنيا وينسى الآخرة فيندم مع النادمين
دخل رجل على أبي ذر رضي الله عنه فجعل يقلب بصره في بيته فقال: يا أبا ذر! أينمتاعكم؟ لا أرى أثاثاً في البيت ولا متاعاً! أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتاً نوجهإليه صالح متاعنا وليس هذا· قال: لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا· قال أبو ذر : إنصاحب المنزل لا يدعنا فيه، لا بد أن يأخذه منا ويأخذنا منه يوماً من الأيام·
فالمؤمن يشتاق دائما إلى دار النعيم ويفكر دائما فى مصيره النهائى فيسير من طاعة إلى طاعة لأنه يوقن أن الله عنده حسن المآب
قال تعالى ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَاعِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ( سورة القصص : الآية 60)
فمن أراد أن يشترى لذة الخلود فليجعل الدنيا الدنيا مزرعة الآخرة ليحصد ثمرة أعماله يوم القيامة وليجاهد نفسه حتى يأتيه اليقين فيموت على طاعة
فلنصبر على لحظات قليلة فى الدنيا ، ونجعلها طاعة لله – عز وجل لنفوز بالنعيم الأكبر فى الآخرة
وهناك وسائل تعين المرء كى يقدم لحياته منها :
- الصدق مع النفس
- قوة الإيمان
- الصبر على الطاعات
- الإقبال على الله
- محاسبة النفس على كل صغيرة وكبيرة
- كف الأذى عن الناس
- طلب الحاجات من الله الذى يبسط الرزق لعباده وفق حكمته وتقديره سبحانه
- مجاهدة النفس والشيطان
- الحرص على حسن الخاتمة بالمداومة على الطاعات وعدم الغفلة أو الإهمال
- التوبة والرجوع إلى الله عز وجل
- التعمق فى فهم أسرار القرآن
- الإنفاق فى سبيل الله وبر الوالدين وصلة الأرحام
- طلب العلم النافع الذى يؤدى إلى فعل الخيرات وترك المنكرات
- تنظيم الوقت وشغله بكل نافع
فمن أراد أن يقدم لحياته فإنه يستغل أوقاته التى أكرمه الله بها ويصرفها فيما يرضى مولاه ويعود على نفسه ومجتمعه بالخير فحياة الإنسان فى الدنيا ماهى إلا دقائق وثوان وسوف يسأل الإنسان عنها فيما أفناها فإن شغلها بطاعة كتب من الخالدين وإن شغلها بمعصية خاب وخسر وما يغنى عنه ماله إذا هلك وتردى
اللهم وفقنا لما تحب وترضى
اللهم آمين