-
الخليل النحوي ...الجرح اللبناني النازف
الخليل النحوي
الجرح اللبناني النازف ليس الجرح الوحيد في جسد الأمة.. فهناك جرح مزمن اسمه فلسطين وجرح غائر اسمه العراق ورابع اسمه أفغانستان.. وجراح أخرى تكسرت فيها جميعا النصال على النصال.. لكن المعركة في لبنان هي اليوم العنوان الأبرز لمعارك الأمة كلها.. أيام النار والموت والدمار هناك أصبحت أسابيع .. والصلف الصهيوني يهدد بتحويلها بالاحتلال إلى شهور، رغم كل النكسات، بل وبسبب النكسات والهزائم التي مني بها..
الحصار على غزة يتكرر بمزيد من البشاعة والفظاظة في كل قرى لبنان ومدنه.. دمرت الجسور والطرق والمرافق العمومية وعطلت أسباب الحياة، وخُيِّرَ الناسُ بين أن يهجروا ديارهم أو يقبروا فيها، وكانت هجرة كثير من المشردين رحلة أخرى إلى الموت.. ثم أصبح البلد جزرا ممزقة، مقطعة الأوصال، في بحر أمواجه لهب ودخان.. ما من طريق سالكة اليوم أمام امرأة أو شيخ أو طفل يبحث في ركن آخر من وطنه عن فرصة للحياة أو عن موت أقل فظاعة وبشاعة.. وما من سبيل اليوم لإيصال الماء والغذاء والدواء والإسعافات الأولية لأهلنا هناك.. ما من سبيل للتنفيس ولو للحظات عن إخواننا المستضعفين الذين يتنفسون البارود ويلتحفون النار ويستحمون بالدم صباح مساء.
الضمير الإنساني في حالة بيات أو سبات أو موات..
الحكومات العربية عاجزة عن تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك.. بل هي عاجزة حتى عن عقد اجتماع يصدر عنه بيان تنديد أو مواساة..
القمة الإسلامية اجتمعت في غياب القادة العرب، وأصدرت كلاما في كلام..
الأوربيون ليسوا في عجلة من أمرهم.. القنابل \"الذكية\" لا تسقط على رؤوس أطفالهم..
مجلس الأمن الدولي متواطئ أو كالمتواطئ.. الذين يستغاث بهم هناك هم المشكلة..
كنت من كربتي أفر إليهم فهم كربتي فأين الفرار..
هذه بعض معالم المشهد الدامي ..
وهناك معالم أخرى مشرقة منيرة.. معالم ترسمها مقاومة صامدة صمود الجبال الراسيات، راسخة رسوخ الأرز، شامخة شموخ النخيل.. مقاومة مؤمنة صابرة مصابرة تكتب تاريخا هو تاريخنا .. وتصنع قدرا هو قدرنا.. مقاومة تواجه بالصدور العارية والظهور الضاحية غطرسة عدو شاكي السلاح، شرس أهوج، مجروح في كبريائه وغروره، عدو لا يرقب إلا ولا ذمة في بشر ولا حجر ولا مدر.
وكفى بذلك خطبا وشرفا في آن .. لكن الأدهى والأمر هو أن هذه المقاومة تواجه في الآن ذاته ظلم ذوي القربى أو استكانتهم وخنوعهم واستخذاءهم وحبهم للدنيا وكراهيتهم للموت.
نعم، لم تخل شوارعنا، كما لم تخل شوارع واشنطن ولندن وباريس وتل أبيب، من مظاهرات أو مهرجانات شجب واستنكار..
ولكن هل في الشعارات الرنانة والخطب الطنانة غناء وأهلنا هناك يستصرخون ولا من صريخ، ويقتلون ويشردون.. ولا من مغيث!!
هل نشعر حقا حين يخلد أحدنا للنوم مطمئنا بحمد الله، وحين يصبح آمنا في سربه معافى في بدنه، أن النساء والأطفال الذين لا تمل آلة الحرب الصهيونية الولوغ في دمائهم ليل نهار هم أهلنا؟
هل نشعر أن جراحهم النازفة هي جراحنا؟ هل نعيش لحظات من صدق المعاناة مع أولئك الأسرى خلف القضبان، وأولئك الجرحى الذين لا يأتيهم الغوث أحيانا ـ إن هو أتى ـ إلا بعد أن تفيض أرواحهم إلى بارئها.. وأولئك النساء والأطفال والشيوخ والرجال الذين تدك بيوتهم على رؤوسهم وتقطع أوصالهم وتمزق أشلاؤهم بسادية لا مثيل لها في التاريخ؟
هل نعي أن قيمة دمنا عندهم، مهما تناءت ديارنا وتعددت مواطننا تتحدد، في أحسن الأحوال، بقيمة الدم الهدر في بورصة الموت والدمار في فلسطين ولبنان؟
هل نعي أننا جميعا مستهدفون من حيث ندري أو لا ندري؟
إن يكن ثمة من وعي فلنبادر بترجمته بما هو أصدق لهجة وأقوم حجة من الشعارات والبيانات..
ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان: عَيْرُ الحي والوتد
<كان بودنا أن يمن الله على قادتنا بدانق من مروءة المعتصم أو عزة ابن تاشفين أو صدق حسن نصر الله أو صلابة أحمد ياسين ، لا ليجيشوا الجيوش، فذلك كثير عليهم اليوم، ولا ليمنعوا عدوهم وخصمهم من الاستقواء بنفطهم والاعتياش على مواردهم، فذلك إجحاف بهم أيضا اليوم.. ولكن ليتسلحوا بقليل من إنسانية شافيز، ذلك القائد الشريف الذي انتصر لنا في شأن يعنينا أكثر مما يعنيه، وسحب سفيره لعله يش.. وليسحبوا سفراءهم كما سحب سفيره.
ما ضرهم لو أعطوا ممثليهم إجازة ولو إلى أجل مسمى من حضور اجتماعات هيئة الأمم \"المتحدة\" التي لا تستأسد ولا تستبسل إلا حين نكون لها هدفا؟!
ما ضرهم لو شجعوا شعوبهم أو تركوها ـ على الأقل ـ تفعل ما ليسوا هم على استعداد لفعله؟!
كيف عجزوا عن إقناع \"أصدقائهم\" أولي \"القوة العظمى\" بأن مصالحهم عندنا أكبر من مصالحهم عند عدونا.. وبأن القرع بالعصا الغليظة على رأس الإنسان العربي والمسلم والدوس بالجزمة الخشنة على صدره وجبينه والتلهي بصراخ الأطفال وعذابات المستضعفين لم يكن في تاريخ الإنسانية ولن يكون أبدا وصفة لعلاج الكراهية ولا عزيمة لجلب المحبة.
أما وقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها واستمرأوا طعم الدعة والسكون، اختيارا منهم أو اضطرارا، فلندعهم وشأنهم..
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
ولننظر ما ذا يمكن أن نقوم به نحن الناس البسطاء...
إنه نداء إلى كل القوى الحية وكل الضمائر اليقظة وكل النفوس الأبية، بل إلى كل من يختلج قلبه بمعنى من معاني الإنسانية في وطننا وفي سائر البلاد، للارتقاء وإن قليلا بالفعل السياسي التضامني، سواء في درجة هذا الفعل أو في نوعه..
أما في الدرجة، فأكتفي بنمطين من المناشط لمّا يرتفع العمل فيهما البتة إلى الحد الأدنى الممكن:
1. التبرع بالمال، غذاء للجوعى، وكساء للمشردين ودواء للجرحى والمرضى.. دخل يوم من شهر قد لا يكلف أصحاب الدخول عبئا كبيرا، ولكنه يفيد إخواننا ويفيدنا قبلهم.. فما أهون أن تنفق قوت يوم إذا كان أخوك ينفق من أجلك وقود عمر وماء حياة.. هل نرى مصارفنا تتبارى في فتح حسابات المناصرة؟ وهل نرى قوانا الحية في المجتمع المدني والأهلي، من أحزاب ومنظمات ونقابات وتجمعات، تتبارى في تغذية حسابات وصناديق المقاومة، وتتعاون في إدارة العمل واستدامته والانتهاء به إلى غايته؟
2. القيام بما قعدت عنه الدول أو تقاعست أو قصرت في أدائه من محاورة الاخرين وتألفهم وإقامة الحجة عليهم، لا في وسائل الإعلام فحسب، بل وبالاتصالات المباشرة.. أعتقد أن حكوماتنا ـ وهي الخالفة القاعدة عن الحرب ـ بحاجة على الأقل إلى جيش احتياط من المثقفين والمحامين والساسة ورجال الرأي، غير الموظفين، \"يعاونها\" في محاورة أصحاب القرار في \"المجتمع الدولي\".
ينبغي أن تأخذ مجتمعاتنا زمام المبادرة، من خلال قنوات وأدوات شعبية، فتحاور الدول الكبار وتصارح المجتمع الدولي، وألا تترك هذه المهمة لأجهزة حكومية ودبلوماسية قلما تحسن أن تتأوه أو تئن أو تقول للآخرين كفاحا إن ما تفعلونه، بالصمت أو التواطؤ أو العدوان المباشر، يؤذينا.. وإنه سيؤذيكم حتما، ولو بعد حين، إن أنتم لم تصغوا إلى أصوات الثكالى والأيامى والأطفال المفجوعين . ينبغي أن تعمل القوى الحية في مجتمعاتنا على كسر رتابة \"المونولوج\" الذي اعتادت عليه محافلنا الرسمية أمدا طويلا، وأن تطالب بحق \"الشارع\" في الحديث إلى هذه المحافل: حق الجريح، وحق الأرملة وحق اليتيم وحق المقاوم وحق المثقف المستقل المنتظم في مجتمع مدني أو أهلي نشط.
أما الارتقاء بفعل المناصرة ، من حيث النوع، فأكتفي فيه بالدعوة إلى موقفين:
1. التطوع للجهاد والمقاومة في لبنان وكل ساحة مواجهة يتاح الوصول إليها. وليس من الضروري أن نستوثق من أن الطريق أمامنا ممهدة، فلن تكون.. لكن علينا أن نطلب فتح الطريق، وأن نحدث أنفسنا بالغزو على الأقل، ونفتح سجلات لتدوين قوائم المتطوعين لنصرة إخوانهم، لا مبادأة بالهجوم، ولا غدرا بذمة، ولكن دفاعا عن النفس وذودا عن حمى الأرض والعرض، وتأمينا على الحياة والمستقبل.
2 -. الاعتصام السلمي.. التظاهرات المتحركة والمهرجانات المشتتة في الزمان والمكان قدمت ما قدمت.. ولا نبخس من قاموا بها أشياءهم، لكننا نحتاج اليوم إلى نمط آخر من التظاهر، تلتقي فيه الروافد كلها ويتآزر الناس، نساء ورجالا وأطفالا، فيضربون الأطناب ويحطون الرحال في ساحة عامة، لا يحملون حجرا ولا سكينا ولا إبرة .. ولا يضارون أحدا.. وإنما يقررون المرابطة في ساحة عامة أو موقع رمزي، لا يبرحونه حتى تضع الحرب أوزارها، وحتى يرحل الغزاة من أرضنا. لا أقصد جيوش الاحتلال في أرض الميدان، فالمقاومة في الميدان لهم بالمرصاد.. وإنما أعني سفارات جيش الاحتلال التي تدنس أرضنا بأقدامها وسماءنا بأعلامها، مطمئنة إلى أن شافيز ليس رئيس دولة عربية. صحيح أن تلك السفارات أو المكاتب فتحت بمواثيق رسمية. ورغم أن تلك المواثيق أبرمت دون استشارة للناس، ورغم أن إسرائيل باستهدافها المواطنين الآمنين وباختطافها واحتجازها الوزراء والنواب المنتخبين، وباغتيالها لقيادات شرعية، قد استهترت بكل المواثيق الدولية وأفرغت الحصانة الدبلوماسية من كل مضمون.. رغم ذلك كله، فإنني لا أدعو الناس خارج جبهات القتال إلى ممارسة العنف. وإنما أد عوهم فقط إلى أضعف الإيمان في هذا الأوان: إلى اعتصام سلمي، يوجهون به رسالة إلى العدو ورسالة إلى الحكام..
أما العدو، فيقولون له بملء القلب واللسان:
- لا مرحبا بسفارات لا تمثل إلا الهمجية والغطرسة والصلف ضد أهلنا.
- لا تتوقعوا منا أن نرمي لكم الورود وأنتم تشنون علينا كل يوم أكثر من مائتي غارة، وترصعون أجساد أطفالنا ونسائنا بالرصاص، وتغتصبون الأرض وتنتهكون العرض وتشردون الملايين..
- لا تتوقعوا منا أن نفتح لكم شوارعنا وبيوتنا ونقدم لكم اللبن والتمر والقهوة العربية والشاي الأخضر بالنعناع وأنتم تمارسون القرصنة علينا حتى في غرف النوم وتحتجزون أبناءنا وإخواننا رهائن وأسرى بالآلاف، نساء ورجالا وأطفالا ..
- لا تنتظروا منا أن نفرش لكم البساط الأحمر وأنتم تفرشون الأرض لأهلنا دموعا حرى ودماء قانية وموتا ودمارا وحصارا وتشريدا.
- ارحلوا عنا، فلا مكان لكم بيننا..
أما الحكام، فنقول لهم: نحن هنا معكم ومن أجلكم إن قبلتم... فالحكام أحد اثنين: حاكم مسكون بوهم \"القوة التي لا تقهر\"، مقتنع بأنها الملجأ والملاذ، يحسب أن مداهنة إسرائيل، بل ومغازلتها، صمام أمان له وربما ظن، إيغالا في الوهم، أنها صمام أمان لشعبه.. لهذا النمط من الحكام، ينبغي أن تقول الجماهير:
- شكرا لرأفتكم بنا.. ولكن لا تكونوا أرحم بنا من ربنا أو من أنفسنا.. لا تحملنّكم رأفتكم بنا على تسليم رقابنا إلى عدو يتجهمنا.
- اطمئنوا.. لا نريد منكم أن تقاتلوا العدو الذي تخافونه، ولكن لا تسلطوه علينا، ولا توطئوه أرضنا..
- لا تكونوا لنا، ولكن لا تكونوا علينا..
أما النمط الثاني من الحكام فهم أولئك المتألمون في قرارة أنفسهم مما يحدث، المغلوبون على أمرهم، الخاضعون لضغوط يظنون أن لا قبل لهم بمواجهتها ويتمنون لو وجدوا سبيلا للخلاص منها بأقل \"التضحيات\". هؤلاء بحاجة منا إلى مؤازرة قوية عبر ضغط شعبي متماسك راشد ومسئول يعينهم على الانعتاق من أسر الضغط الخارجي، ويمنحهم من السند الداخلي ما يعوضون به أي عوز في سند خارجي متحقق أو متوهم.
إن الاعتصام السلمي هو أسلوب من الأساليب التي نحتاجها من أجل أن نحرر حكامنا، أولئك وهؤلاء، من وهم \"القوة التي لا تقهر\" ومن أجل أن نقنعهم جميعا بأن انحيازهم إلى شعوبهم خير لهم في العاجل والآجل من انحيازهم إلى الخصم والعدو، وبأن قارب النجاة هو مناصرة الحق وصيانة الكرامة، وبأن البوصلة الهادية إلى طريق الخلاص وميقات التنمية هي أن يكون الحاكم في خندق مع شعبه، لا في مواجهة شعبه.
ثم إنه رسالتنا إلى العالم أجمع، ليعلم علم اليقين أن ما يقع في ميدان المعركة يعنينا.. فالأرض المحروقة أرضنا والعرض المستباح عرضنا والدم المهراق دمنا..
*** إن موريتانيا، وقد أبدعت على مستوى القمة في التغيير الهادئ وفي مواجهة أوضاع داخلية مأزومة، قادرة على أن تبدع على مستوى القاعدة والقمة معا في أساليب المناصرة التي يقتضيها الموقف في ميدان المعركة، فلتفعل.. ولينفق ذو سعة من سعته.
ولم أر في عيوب الناس عيبا *كنقص القادرين على التمام.
الدرب - أقسام الموقع - مقالات - نداء من أجل لبنان: الدم دمنا والأرض أرضنا
تعليمات المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى
مواقع النشر