المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "تيشيت" حاضرة التراث الموريتاني



حمدان
14-12-2007, 17:08:34
"تيشيت" حاضرة التراث الموريتاني

على طريق الشرق من نواكشوط، وعلى مسافة أكثر من 600 كلم تقع مدينة “تجكجة” عاصمة ولاية “كانت” وإلى الشرق منها، وعبر طريق وعر يمتد 220 كيلومترا يمر بين الجبال ووسط الكثبان الرملية تقع مدينة تيشيت الموريتانية التاريخية.

مرتفعات جبلية ومنحدرات ذات منظر أخاذ، وتلال رملية وواحات نخيل، ملامح تقع عيناك عليها بمجرد وصولك إلى هناك.. منارة بطول 16 مترا لجامع تيشيت المنتصب منذ تسعة قرون عندما ألقى الشريف عبد المؤمن في العام 536 هجرية عصا ترحاله في هذه البقعة ليؤسس مدينة يقرأ اسمها من الاتجاهين. ولتبدأ المدينة رحلة التشكل عبر التاريخ، حيث كانت حاضرة للعلم والتجارة، ومحط القوافل التي نسجت واحدة من أوائل شبكات الطرق في إفريقيا.

وبعد أن كانت عاصمة علمية وتجارية لغرب إفريقيا لقرون طويلة، تحولت أخيرا إلى مدينة أثرية مهجورة إلا من عدد قليل من السكان، والقائمين على المكتبات التي لا تزال مخطوطة في انتظار رأفة عاديات الزمن.

المدينة إداريا مقاطعة ولها عمدة ونائب وشيخ في البرلمان، لكن ذلك لم يشفع لها في نيل الاهتمام بها وإنقاذ كنوزها من الكتب بعد أن ولد بها ثاني مؤلف موريتاني في التاريخ.

مع ذلك، فلا شك أن المتجول بين أحياء المدينة يشعر أنه يتجول في التاريخ والمعرفة، وحياة الموريتانيين عبر القرون الماضية، يعزز ذلك مطالعة في صفحات تاريخ الشخصيات العلمية التي مرت بها وتلك التي أسستها وعملت بها لقرون.

“لكل قطر مدينة ومدينة قطرنا تيشيت”.. بهذه العبارة وصف العلامة سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم، المكانة العلمية التي احتلتها مدينة “تيشيت” بين حواضر السودان والمغرب في القرن الثاني عشر الهجري. قبل أن تنتبه المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم لأهمية المدينة التاريخية وتقرر ضمها للتراث العالمي بوصفها تراثا للإنسانية جمعاء.

وكان العالم الفرنسي المعروف “تيودور مونو” زار “تيشيت” بداية القرن الماضي، وقال “إنها مليئة بمصادر الاهتمام ويتمنى المرء أن يتأخر فيها، ويشاهد أكثر مما يشاهد المسافر المستعجل”.

وكان لموقع المدينة بين مملحة “الجل” ومنحى نهر النيجر دور كبير في جعلها محطة رئيسية للقوافل التجارية بين شمال الصحراء وجنوبها. ويذكر المؤرخون أن قافلة من 32 ألف جمل سارت منها ذات يوم.

مدينة أنجبت خلال القرون الأربعة الماضية الكثير من العلماء من أمثال الحاج الحسن بن آغبدي الزيدي، وأبناء فاضل الشريف، وأحمد الصغير المسلمي، وأمباله، وأبناء امبوجه... وغيرهم كثيرون، وظلت مكتباتها شاهداً على ما عرفته من إشعاع ثقافي باحتضانها أهم مخزون وثائقي في البلاد.

كل هذا وذاك شكل جواز سفرها إلى عالم التراث الإنساني حيث وضعتها منظمة اليونسكو على لائحة التراث العالمي.

ومثلما تميزت “تيشيت” بنهضتها العلمية وكثرة علمائها عبر التاريخ، تميزت كذلك بنهضة عمرانية لافتة للانتباه رغم أنه لم يبق منها إلا شواهد قليلة بالقياس إلى ما كان فيها، ومن بين باقيات ذلك النظام العمراني النقوش التاريخية الملونة الجميلة على واجهات المباني والنوافذ والأبواب.

ومكتبات تيشيت لا تزال في مبان قديمة، وتخضع لوسائل الحفظ التقليدية، وتقدر مصادر السكان وجود عشرة آلاف مخطوط و16 مكتبة أغلبها لا يزال تحت حماية الورثة.

وهذه المكتبات نتاج المدارس العلمية التي مرت على المدينة في القرون الماضية، ومن أشهر تلك المدارس تلك التي قادها علماء شنقيط الذين طارت سمعتهم خارج القطر، كما يتضح من خلال الأسانيد الشنقيطية والعلماء الذين زاروا المدينة إبان ذروة مجدها الثقافي.